اخبار العالم

هل تعيد غرينلاند رسم خريطة القوة بين واشنطن وأوروبا؟

تسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات استجابة سريعة للأزمات غير التقليدية ضمن فضائه الجغرافي الموسع، بما في ذلك المناطق المرتبطة بدوله الأعضاء مثل غرينلاند، حيث تعلمت أوروبا من تجربة مطالب ترامب بضم الجزيرة الدانماركية عندما أظهرت المواجهة الأوروبية الموحدة والحازمة فعاليتها في الرد، وتؤكد مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس أن القوة والوحدة هما السبيل الأمثل للتعامل مع مخططات ترامب، فيما تزور رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين غرينلاند في مارس المقبل، في ظل توتر غير مسبوق بين أوروبا والولايات المتحدة حول مستقبل الجزيرة الاستراتيجية.

وبحسب خبراء في الشأن الأوروبي، تعكس هذه الدينامية تنافساً جيوسياسياً متصاعداً على النفوذ في القطب الشمالي، حيث تمتلك غرينلاند مواقع استراتيجية وموارد طبيعية ضخمة، ما جعلها محط اهتمام دول كبرى، خصوصاً بعد تصاعد الخلافات بين واشنطن وبروكسل، حين هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية في حال معارضتها السيطرة الأمريكية على الجزيرة، وهو ما رفضته أوروبا بشدة واعتبرته «خطأ جسيم» في العلاقات بين الحلفاء.

وأعلن فريق فون دير لاين أن الزيارة ستشمل المنطقة القطبية الشمالية، في خطوة تأتي بعد فترة من التوتر الناتجة عن تصريح ترامب ورغبته في ضم غرينلاند، أو جعلها تحت نفوذ أمريكي مباشر، ما أثار ردود فعل حادة في أوروبا. وفي المقابل، تؤكد أوروبا عبر تصريحات فون دير لاين نفسها أن دعم الاتحاد لغرينلاند يأتي في إطار احترام سيادة السكان المحليين، وحقهم في تقرير مستقبلهم، وأن غرينلاند «جزء من حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وأن أي قرار بشأنها يتعين أن يُتخذ من قبل الدنمارك وغرينلاند أنفسهما، وليس كقضية تُفرض عليها مطالب خارجية.

كما أن العلاقات بين بروكسل ونيوك شهدت مؤخراً تعزيزاً في مجالات التعاون المدني والاقتصادي، مع تركيز على التعليم والطاقة المتجددة والمعادن الاستراتيجية، فيما تعتبر أوروبا دعماً مباشراً لحضورها الدبلوماسي والاقتصادي في المنطقة بعيداً عن الخطاب التصادمي مع واشنطن.

بعد استباقي

الزيارة المرتقبة تحمل في طياتها بعداً استباقياً لتعزيز الوجود الأوروبي في القطب الشمالي في مواجهة الضغوط الأمريكية، لكنها أيضاً رسائل دبلوماسية واضحة بأن أوروبا لن تقبل بالابتزاز أو إعادة رسم النفوذ الاستراتيجي في المنطقة من جانب واحد.

يرى د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية إلى غرينلاند تحمل بُعدين رئيسيين، الأول تعزيز الحضور الأوروبي، والثاني إرسال رسالة إلى واشنطن بأن الجزيرة ليست لعبة نفوذ أحادية. ويضيف أن هذا الحدث يمثل خطوة استباقية لتأكيد أن أوروبا لن تقبل بتحويل الجزيرة إلى أداة نفوذ أمريكية، خصوصاً في ظل المطالب المتكررة للرئيس ترامب بالسيطرة أو الشراء المباشر للجزيرة. كما يشير إلى أن رد الأوروبيين كان سريعاً وحازماً، فقد أوقف البرلمان الأوروبي العمل على صفقة تجارية مع الولايات المتحدة احتجاجاً على هذه المطالب، في خطوة تعكس رفضاً قاطعاً لأسلوب الضغوط الأمريكية. ويؤكد حداد أيضاً وجود زخم سياسي أوروبي غير مسبوق، حيث أعلن قادة أوروبيون دعمهم لغرينلاند والدنمارك، مؤكدين أن القرار السيادي يعود إلى الشعب الدنماركي والغرينلاند نفسه، وأن أي محاولات للسيطرة أو للشراء ستكون مرفوضة. ويضيف أن هذه التعبئة ليست مجرد تضامن رمزي، بل إعلان سياسي واضح يضع خطوطاً حمراء أمام أي تدخل خارجي. ويرى أن الزيارة استباقية بامتياز، إذ تهدف أوروبا من خلالها إلى تثبيت وجودها السياسي والاقتصادي والثقافي في غرينلاند قبل أي محاولات أمريكية لفرض واقع جديد، كما تحمل رسالة مواجهة مبكرة تؤكد أن أوروبا تتابع الملف من أعلى مستويات القيادة، وأنها غير مستعدة للتراجع أمام أي تهديد أو إغراء. ويختم بأن هذه الزيارة تتسق مع استراتيجية مزدوجة: تعزيز الشراكة الأوروبية مع غرينلاند، وفي الوقت نفسه وضع خط أحمر أمام أي طموح أمريكي قد يخضع السيادة أو مستقبل الجزيرة لمنطق القوة أو الصفقات الفردية.

عهد التحالف

بدوره، يرى د. محمد شكريد، خبير العلاقات الدولية، أن زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية إلى غرينلاند تحمل بعدين رئيسيين، إذ أصبحت أوروبا حذرة من سياسات الرئيس ترامب، وأدركت أن عهد الثقة التقليدي والتحالف مع واشنطن لم يعد كما كان، وأن نظاماً عالمياً جديداً يتبلور وفق رؤى الإدارة الأمريكية الحالية. ويقول إن الأوروبيين وجدوا أنفسهم مضطرين لتعزيز التعاضد وتبادل الدعم السياسي والاقتصادي، وإرسال رسائل واضحة بأن غرينلاند مسألة تخص الاتحاد الأوروبي ككل، وليس للدولة الأمريكية أي حق في فرض سياسات أحادية. ويضيف أن الزيارة تمثل استراتيجية استباقية لتثبيت الوجود الأوروبي سياسياً واقتصادياً وثقافياً، قبل أي محاولة أمريكية لتوسيع النفوذ، كما تؤكد أن أوروبا قادرة على فرض خطوط حمراء دبلوماسية، وحماية مصالحها السيادية في المنطقة. ويوضح أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً لتغير موازين القوى العالمية، والحاجة إلى توحيد المواقف الأوروبية للتعامل مع التهديدات الأحادية، مؤكداً أن زيارة فون دير لاين ليست مجرد رسالة رمزية، بل جزء من خطة أوروبية شاملة لضمان الاستقرار والحضور الفعلي في غرينلاند، والردع المبكر لأي محاولة للهيمنة الخارجية على الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى