فنون وثقافة

زبيغنيو بريجينسكي عرّاف الحرب الباردة

يقدّم إدوارد لوس في هذه السيرة التي صدرت عن دار بلومسبري عام 2025 صورة دقيقة لزبيغنيو بريجينسكي، أحد أبرز صناع السياسة الخارجية في القرن العشرين ونبي الحرب الباردة الأميركي. يعتمد الكتاب على أرشيف ضخم من المذكرات والمراسلات والمقابلات الحصرية، ويبدأ من جذوره البولندية. وُلد بريجينسكي عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفعه صعود النازية والتهديد السوفياتي إلى الهجرة إلى كندا عام 1938. من كندا لاحظ شاباً تدمير وطنه وتوزيعه بين هتلر وستالين، وفي بيئته غرس والده تاديوش نزعة بولندية قومية عميقة ورؤية أن بولندا تمثل الحضارة الغربية في مواجهة الجيران الشرقيين.

خلفيته ونشأته

تتناول الفصول الأولى من الكتاب تشكّلته الفكرية ومساره الأكاديمي. يبرز أن بريجينسكي بدأ في ماكغيل ثم هارفارد حيث حدد نقاط الضعف السوفياتية وتبنّى فكرة وجود تنوع قومي داخل الاتحاد السوفياتي كعامل حاسم في انهياره. طور لاحقاً في كولومبيا مقاربة «الاشتباك السلمي» التي تقترح استخدام أدوات الاقتصاد والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة. يوضح العمل كيف وُضعت هذه الرؤية كعنصر مركزي في سياسة الولايات المتحدة تجاه الدول التابعة لموسكو، بهدف عزلها تدريجيًا من المحور السوفياتي.

تشكّلته الفكرية ومساره الأكاديمي

بلغ بريجينسكي ذروة نفوذه بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة كارتر عام 1977. يرصد الكتاب صراعاً حاداً مع وزير الخارجية سايروس فانس وتبايناً في المنهج، فبينما فضل فانس التسويات، تبنى بريجينسكي نهجاً هجوميًا يهدف إلى تقويض النفوذ السوفياتي. يعرض العمل أيضاً إنجازه في إقامة علاقات رسمية مع الصين بقيادة دينغ شياو بينغ واستخدام هذه الشراكة كأداة ضغط. كما يبرز الوقت الذي أيد فيه تأييده للمقال الأكاديمي الذي كتبته جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير اللوبي الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأميركية.

الصراع القيادي والإنجازات الكبرى

في ملف الرهائن الإيراني، ضغط بريجينسكي لتدخل عسكري لإنقاذ الرهائن، بينما رفض كارتر الخيار العنيف. وتفاقمت التطورات عندما استقبلت الولايات المتحدة الشاه للعلاج واعتبرت هذه الخطوة دعماً سياسياً للبعض، وهو ما أيده بريجينسكي وكيسنجر لكن أدى إلى احتكاك وتوتر مع القيادة الإيرانية. انتهت الأزمة بفشل عملية عسكرية كبرى وتسبب استقالة سايروس فانس، وهو ما أثر على رئاسة كارتر. وأسهمت التطورات في تراجع المكانة الانتخابية للرئيس الأميركي أمام ريغان.

الأدوار في القضايا الإقليمية وتداعياتها

تمتد فصول الأزمة الإيرانية إلى الرهائن في طهران حيث ضغط بريجينسكي لتدخل عسكري لإنقاذ الرهائن، فيما رفض كارتر الخيار العنيف. وتفاقمت التطورات عندما استقبلت الولايات المتحدة الشاه للعلاج واعتبرت هذه الخطوة دعماً سياسياً للبعض، وهو موقف أيده بريجينسكي وكيسنجر لكن أدى إلى احتكاك وتوتر مع القيادة الإيرانية. انتهت الأزمة بفشل عملية عسكرية كبرى وتسبب استقالة فانس في تغيّر المشهد السياسي، وهو ما انعكس على مسار الانتخابات الرئاسية. كما لعبت هذه التطورات دوراً في إعادة تشكيل أولويات الإدارة الأميركية وتوازنات القوة الدولية آنذاك.

التأثيرات العالمية والتطلعات النهائية

مع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، حصد بريجينسكي بعض ثمار تحذيراته المبكرة وتعاون بشكل وثيق مع البابا يوحنا بولس الثاني لدعم حركة التضامن البولندية ومنع غزو سوفياتي محتمل لبولندا في الثمانينات. وفي المرحلة اللاحقة، دعم توسيع الناتو ليشمل دول أوروبا الشرقية ورأى أوكرانيا حجر زاوية لمنع عودة الإمبراطورية الروسية وتوقع المسار الذي سلكه بوتين لاحقاً. وفي سنواته الأخيرة عارض الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وانتقد إدارة جورج بوش الابن والمحافظين الجدد، ودعم باراك أوباما في حملته عام 2008 باعتبارها فرصة لتجديد القيادة الأميركية عبر أدوات سلمية. يختتم Luce العمل بتأملات حول ضرورة التعاون بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وتحاشي عقلية المواجهة الصفري في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

تابعنا على

صفحتنا الرسمية على فيسبوك

لمتابعة آخر الأخبار العاجلة والتغطيات الجديدة أولاً بأول.

تابع الصفحة على فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى