
المؤثرون الصغار: براءة الأطفال في مواجهة الاستغلال الرقمي
أكد متخصصون أن حضور الأطفال على منصات التواصل لم يعد مقتصراً على الصور العائلية، بل يشمل فتح حسابات بأسمائهم يستعرضون فيها نمط حياتهم اليومية ويروجون لملابس وألعاب ومنتجات موجهة للأطفال، وتصل مقاطعهم إلى آلاف المشاهدات والإعجابات، ما يثير قلقاً من احتمال تحويل الأطفال إلى صناع محتوى رقمي أو ما يعرف بظاهرة “الأطفال المؤثرون”.
ويرى الخبراء أن هذه الحسابات رغم ظاهرها العفوي قد تحمل مخاطر متزايدة قد تفضي إلى الاعتماد على الأطفال كمصدر للإعلانات أو الترويج التجاري، خاصة عند استقبال عائلات عروض للترويج لمنتجات مخصصة للأطفال مقابل مكاسب مادية. كما يبرز تساؤل حول حدود مشاركة الأطفال في الفضاء الرقمي ومدى وعي الأهل والقائمين على رعايتهم بما يعنيه نشر تفاصيل الحياة اليومية أمام جمهور واسع.
خلال السنوات الأخيرة، باتت منصات التواصل تمتلئ بحسابات أطفال يديرها ذووهم، يظهرون فيها يستعرضون ملابس جديدة، يجربون ألعاباً، أو يشاركون لحظات من حياتهم اليومية، في محتوى يجذب أعداداً كبيرة من المتابعين، وهو ما يفتح باباً إلى تأثيرات اقتصادية غير مباشرة من خلال العروض والترويج.
ودعوا إلى وضع ضوابط أخلاقية وتوعوية تحمي الأطفال في الفضاء الرقمي، بحيث تبقى منصات التواصل مساحة آمنة للتعبير والإبداع، لا وسيلة لاستغلال براءة الطفولة في سباق المتابعين والإعجابات.
آثار نفسية واجتماعية
تؤكد شيخة المنصوري، مدير عام مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال بالإنابة، أن مشاركة الأطفال في إنتاج المحتوى الرقمي قد تبدو نشاطاً ترفيهياً في البداية، لكنها قد تحمل آثاراً نفسية واجتماعية إذا لم يتم التعامل معها بحذر، فقد لا يدرك الطفل تبعات الظهور المستمر أمام الجمهور أو مشاركة تفاصيل حياته الخاصة، ما يعرضه لمخاطر تتعلق بالخصوصية أو التنمر الإلكتروني.
أطلقت المؤسسة حملة «طفولتهم أمانة»، وهي مبادرة توعوية مجتمعية تهدف إلى حماية الطفل وتعزيز دور الأسرة في توفير بيئة آمنة تركز على الحد من العنف والإهمال ونشر الوعي بحقوق الطفل النفسية والجسدية، مع الاتفاق على خمسة محاور أساسية هي حماية الطفل، تعزيز المسؤولية المشتركة بين الأهل والمجتمع، رفع الوعي بحقوق الطفل وطرق التعامل السليم معه، الحد من العنف والإهمال عبر ترسيخ مفاهيم الأمان والرعاية السليمة، وتسليط الضوء على آثار العنف ودعم الشراكة المجتمعية.
وتشير موزة الشومي، نائب رئيس جمعية الإمارات لحماية الطفل، إلى أن كثيراً من المتحرشين يستخدمون مواقع تستهدف فئات محددة من الأطفال لاستدراجهم والتحرش بهم عبر الابتزاز، وتؤكد أن الأسرة رغم حرصها على مراقبة أطفالها لا بد أن تكون واعية بمخاطر تلك المواقع ومن يديرها، وتحث على عدم إرسال بيانات شخصية أو التواصل مع أشخاص مجهولين لتجنب الوقوع في فخ الابتزاز أو التحرش.
وتقول الدكتور جاسم المرزوقي، مستشار العلاج النفسي والأسري، إن الطفولة مرحلة حساسة لبناء الهوية والثقة بالنفس، وأن تقييم الطفل بناءً على عدد المتابعين أو الإعجابات قد يؤثر في نظرته لذاته ويزيد الضغط النفسي، كما أن الظهور المستمر أمام الكاميرا قد يحول أنشطة الحياة اليومية إلى محتوى مخطط ومصور، مما يجعل الرقابة الأسرية مطلوبة وتوعية الأسرة بمخاطر النشر غير المنضبط ضروريين.
ويشير الدكتور حسين المسيح، خبير التنمية والرعاية الاجتماعية في دبي، إلى أن الأطفال الذين يظهرون باستمرار على المنصات قد يتعرضون لضغوط نفسية غير مناسبة لأعمارهم، حيث قد يربطون قيمتهم الشخصية بعدد الإعجابات والتعليقات، ويتعرضون لتأثير سلبي في تقديرهم لذاتهم عند وجود تعليقات سلبية أو انتقادات، كما أن الظهور المتكرر قد يقلص مساحة الطفولة الطبيعية ويحوّل الأنشطة اليومية إلى محتوى مخطط له.
وتركز غنيمة البحري، مدير إدارة الرعاية والتأهيل في مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، على أن حماية الطفل تشمل أيضاً حماية خصوصيته الرقمية، وتؤكد ضرورة تجنب نشر تفاصيل الحياة اليومية بشكل مبالغ فيه والتأكد من أن أي مشاركة رقمية تراعي مصلحة الطفل أولاً.
وأكدت الدكتور غادة عبيدو، أستاذة الإعلام الرقمي في جامعة عين شمس، أن الإعلانات التي يقدمها الأطفال تطرح أسئلة أخلاقية عندما يتحولون إلى وسائل للترويج التجاري دون وعي كامل بطبيعة الرسائل الإعلانية، فالمشكلة ليست في ظهور الأطفال على الإنترنت بحد ذاته، بل في تحويل حياتهم اليومية إلى محتوى مستمر بهدف الحصول على تفاعل وربما مكاسب مادية، محذرة من الانجذاب إلى الشهرة الرقمية دون الانتباه للآثار طويلة المدى.
وأشارت الدكتورة شاكيل أجنيو، أستاذة علم النفس في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة هيريوت وات دبي، إلى أن التعامل مع ظهور الأطفال على وسائل التواصل يخضع لمعادلة دقيقة بين الفوائد والمخاطر، حيث يتزايد وعي الأسر بحماية خصوصية أبنائهم، وتبقى التحديات في الحفاظ على توازن يسمح بالتعلم والإبداع دون تعريض الطفل للضغوط أو فقدان الخصوصية، وتدعو إلى سياسات مدرسية واضحة لحماية خصوصية الطلبة والحصول على موافقة أولياء الأمور قبل نشر أي محتوى وتوفير بدائل آمنة للمشاركة الرقمية.
مخاطر رقمية وآليات حماية
يسلط علي مصبح ضاحي، المحامي والمستشار القانوني، الضوء على مخاطر نشر صور وأفعال الأطفال على نطاق واسع، من استغلال الصور أو وصول معلومات شخصية، كما يشير إلى أن بعض الحسابات تنشر تفاصيل دقيقة عن حياة الطفل كمدرسته أو أماكن وجوده اليومية، بما يشكل تهديداً للخصوصية والأمان الرقمي. لذا يوصي بتقييد وصول الحسابات إلى الأصدقاء فقط وتفعيل إعدادات الأمان العامة مثل المصادقة الثنائية وكلمات المرور القوية والامتناع عن مشاركة محتوى قد يضر بالطفل.
ويشير إلى أن قانون حقوق الطفل في دولة الإمارات، المعروف بـ«قانون وديمة» الذي أُقر في 2010، أضاف ست مواد لتعزيز حماية الأطفال وضمان حقوقهم الأساسية في الحياة الكريمة، ويؤكد أن حماية الطفل تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع، مع مواد تحمي السلامة البدنية والنفسية والأخلاقية وتضمن حماية شاملة للطفل.
صفحتنا الرسمية على فيسبوك
لمتابعة آخر الأخبار العاجلة والتغطيات الجديدة أولاً بأول.
تابع الصفحة على فيسبوك