
الصحة العالمية: النزاع في شرق المتوسط يضغط على النظم الصحية
أكدت الدكتورة حنان حسن بلخى، المديرة الإقليمية لشرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، أن النزاع المستمر والنزوح الواسع أدى إلى ضغوط هائلة على النظم الصحية في دول شرق المتوسط، ما أثر في قدرة تقديم الخدمات الصحية الأساسية للمجتمعات المتضررة.
وأشارت إلى أن المناقشات في القمة أبرزت تحوّلاً هيكلياً في الصحة العالمية، حيث تعمل النُظم الصحية في ظل تشرذم جيواستراتيجي وأزمات مستمرة وانخفاضاً وتغيراً في التمويل الخارجي.
وقالت إنه على الرغم من وجود دعم إنمائي رسمي لقطاع الصحة، فقد شهد انخفاضاً حاداً في القيمة الحقيقية في عام 2024، وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضاً إضافياً في 2025. وفي الوقت نفسه، يظل الاعتماد الخارجي مرتفعاً في نصف البلدان منخفضة الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي أجزاء من إقليم شرق المتوسط، خصوصاً المناطق المتأثرة بالنزاعات، حيث لا تزال الخدمات الصحية الأساسية تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية الممولة خارجياً. وتؤكد هذه الحقيقة على الحاجة الملحة إلى تعزيز المؤسسات الوطنية وتعميق التعاون المنظم بين المناطق التي تتشارك المخاطر الوبائية.
السيادة الصحية كإطار مؤسسي
تُفهم السيادة الصحية كقدرة مؤسسية لا تقتصر على الإنتاج المحلي للقاحات أو الأدوية فحسب، بل تشمل القدرة على تمويل وإدارة الخدمات الأساسية بشكل مستدام، وتنظيم المنتجات الطبية، والحفاظ على سلاسل إمداد مرنة، وتوليد بيانات المراقبة ومشاركتها، والاستجابة لحالات الطوارئ دون انهيار النظام. فالسيادة تقوم على أنظمة متينة.
تشهد منطقتا أفريقيا وشرق المتوسط أزمات متداخلة تشمل نزاعات ونزوحاً وصدمات مناخية وضغوطاً اقتصادية وتفشّيات مرضية، وتتطور هذه الأزمات في آن واحد في العديد من الدول. وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية على تقديم الرعاية فحسب، بل تُعدّ أيضاً ركائز للاستقرار الاجتماعي، وعندما تنهار هذه النظم غالباً ما يتبعه عدم استقرار.
يبرز انتشار شلل الأطفال ترابط الأمن الصحي بين المناطق، فحتى مع شهادة إفريقيا بخلوها من الفيروس البري، لا يزال انتشار فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح مستمراً في العديد من البلدان وتظهر روابط وبائية بين أفريقيا واليمن في انتقال العدوى.
كلما ضعف التنسيق عبر الحدود بسبب انعدام الأمن أو حركة السكان أو قِدْرَة جودة حملات التحصين، يعود انتشار العدوى وتستغل الفيروسات هذا التشتت. وتعمل منظمة الصحة العالمية على دعم التنسيق بين الوزارات في القرن الأفريقي واليمن لتعزيز الحملات المتزامنة وتحسين جودة الترصد ومعالجة الثغرات المستمرة في التنفيذ. وسيعتمد القضاء على المرض على مدى الإلحاح والتحسين المستدام في جودة الحملات والترصد البيئي المشترك والمساءلة الجماعية، فالتعاون يقلل المخاطر الجماعية، بينما يزيد التشتت من حدته.
وينطبق المنطق نفسه على الملاريا والأمراض المدارية المهملة وتفشي الأمراض المنقولة بالمياه، فالبيئة الناقلة وأنماط المناخ وتزايد التهديدات البيولوجية وحركة السكان لا تقف عند الحدود الإدارية. لذا فالتنسيق عبر الحدود بشأن السياسات والمراقبة ومكافحة النواقل المتكاملة وبروتوكولات العلاج ورصد مقاومة الأدوية والتهديدات البيولوجية أمر حاسم للتحرك نحو القضاء على المرض ومنع عودته. ويتطلب التقدم المستدام دمج مكافحة الأمراض ضمن أنظمة رعاية صحية أولية قوية وبرامج مياه وصرف صحي مُعزَّزة ومراقبة فعالة ومشاركة مجتمعية فعّالة، فالمكاسب الرأسية هشة دون تكامل الأنظمة.
وتُعد الرعاية الصحية الأولية ركيزة أساسية للسيادة الصحية، فبالنسبة لملايين الأشخاص في أفريقيا وشرق المتوسط تبقى نقطة الاتصال الأولى مع النظام الصحي، لكنها تعاني من خدمات مجزأة وتكامل محدود عبر مراحل الحياة وتفاوت في تبني التقنيات الرقمية. لذا فإن تعزيز الرعاية الصحية الأولية من خلال حزم خدمات متكاملة وتطوير الكوادر وأنظمة إحالة ومنصات بيانات شفافة يسهم في خلق آليات وقائية تحمي السكان عند تفاقم الأزمات.
تعمل منظمة الصحة العالمية والمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها على تنسيق الدعم بشكل متزايد في مجالات الترصد والاستعداد للطوارئ وتنمية القوى العاملة وتعزيز الأنظمة في البلدان التي تربطها حركات عابرة للحدود، لا سيما في القرن الأفريقي والساحل وممر البحر الأحمر الذي يربط دول أعضاء في أفريقيا وإقليم شرق المتوسط. ومن خلال التنسيق بين المناطق، تساهم هذه الشراكة في تقليل التشتت وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات الصحية العابرة للحدود.
تبرز المفاوضات الجارية بشأن الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع بموجب اتفاقية منظمة الصحة العالمية بشأن الجائحة، فالعلاقة بين السيادة والتعاون وثيقة، وكانت أفريقيا وإقليم شرق المتوسط من أكثر المناطق تضرراً بجائحة كورونا من حيث الضغط على النظام الصحي وتأخر الحصول على اللقاحات والتشخيصات والعلاجات، وكشفت الجائحة عن مواطن ضعف في تبادل بيانات مسببات الأمراض والتسلسلات الجينية وتفاوتاً في الحصول على التدابير المضادة.
أما بالنسبة للدول الأعضاء في أفريقيا وإقليم شرق المتوسط، فالمشاركة الفعالة والمنسقة في مفاوضات الشراكة بين القطاعين العام والخاص أمر حيوي، ويجب أن يعكس الإطار النهائي الواقع الذي تفرضه قدرات التصنيع المحدودة وسلاسل التوريد الهشة وتفشي الأمراض المتكرر، وأن يربط بين سرعة تبادل مسببات الأمراض وتوزيع المنافع بشكل عادل.
لا تعد أفريقيا وإقليم شرق المتوسط مناطق هامشية في حوكمة الصحة العالمية، بل هما مختبران أساسيان لاختبار مرونتهما. فإذا استطاعت النظم الصحية في هاتين المنطقتين الصمود أمام الضغوط المتراكمة من صراعات وصدمات مناخية ونزوح وتهديدات معدية، تصبح بنية الصحة العالمية أقوى، وإلا فستتطلب إعادة تصميمها وبرنامجاً يعزز قوة مؤسساتيّة وتعاوناً إقليمياً منظماً ومستداماً لتحقيق السيادة الصحية.
صفحتنا الرسمية على فيسبوك
لمتابعة آخر الأخبار العاجلة والتغطيات الجديدة أولاً بأول.
تابع الصفحة على فيسبوك